سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
55
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس
قلت : ما فهم المأمون من هذا البيت الأخير إلا قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله انصر أخاك ظالما أو مظلوما ، فقيل له : يا رسول اللّه انصره مظلوما ، فكيف انصره ظالما ؟ فقال : تحجبه عن الظلم فذلك نصره إياه . قال علقمة بن عبيد العطاردي لابنه : يا بني ان نزعت بك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من أن صحبته زانك ، وان أصابك خصاصة مانك ، وان قلت سدد قولك ، وان صلت شدد صولك ، وان مددت يدك بفضل مدها ، وان بدت منك ثلة سدها ، وان رأى منك حسنة عدها ، وان سألته أعطاك ، وان سكت عنه ابتداك ، وان نزلت بك احدى الملمات واساك ، من لا يأتيك منه البوائق ، ولا تعوقه عنك العوائق ، ولا يختلف عليك منه بالطرائق ، ولا يخذلك عند الحقائق . أقول : ليت شعري اين يوجد مثل هذا الصاحب ، بل وجوده في زماننا هذا يتعسر ، بل هو أعز من الكبريت الأحمر ، ولقد سحت اثنتي عشرة سنة في ارض اللّه وجربت صحبة خلق اللّه ، فما رأيت صاحبا وجدت فيه خصلة من هذه الخصال ، وان هذا من المحال . ومن الوصايا ما قاله أبو موسى المكفوف لنخاس : اطلب لي حمارا ليس بالصغير المحتقر ، ولا بالكبير المشتهر ، ان خلا الطريق تدفق ، وان كثر الزحام ترفق ، لا يصدم بي السواري ، ولا يدخلني تحت البواري ، ان كثر علفه شكر ، وان قللته صبر ، ان ركبته هام وان ركبه غيري قام ! فقال له النخاس : اصبر يا سيدي اعزك اللّه ، عسى ان يمسخ اللّه القاضي حمارا فتجد حاجتك ! وقال الفضل بن عبد الرحمن لرقية بنت عتبة بن أبي لهب : انظري لي امرأة معروفة النسب كريمة الحسب ، فائقة الجمال مليحة الدلال ، ان قعدت أشرقت وان قامت أضعفت وان مشت ترقرقت ، تروع من بعيد ، وتفتن من قريب ، تسر من عاشرت ، وتكرم من جاورت لطيفة ودود ، عاقلة ولود ، لا تعرف إلا أهلها ، ولا تسر إلا بعلها ، فقالت له : يا ابن العم اخطب هذه من ربك في الآخرة ، فإنك لا تجدها في الدنيا .